-->
U3F1ZWV6ZTI1NzM1NDI0NDU1X0FjdGl2YXRpb24yOTE1NDY4NTMwNzE=
recent
العناوين

مدرسة الامتحانات ورهان التعلم الذاتي في ظل نموذج التدريس بالتناوب

 

مدرسة الامتحانات ورهان التعلم الذاتي في ظل نموذج التدريس بالتناوب

صوضان محمد٭

يحتل التقويم، بأشكاله ومستوياته المختلفة، في السياق التربوي وفعل التعليم والتعلم موقعا مهما، إذ لا تخلو مرحلة من مراحل تدبير الوضعيات التعليمية التعلمية من هذا الفعل؛ فانطلاقا منه تشخص التمثلات وتستثار لتكشف عن نفسها وتتخذ منطلقا لبناء وضعيات تعلمية، وبه يتم مصاحبة فعل التعلم ذاته؛ يكشف مدى تحكم المتعلمين في سيرورات التعلم ودرجة ذلك التحكم؛ تعديلا أو تثمينا أو إعادة تأسيس. كما يلجأ إليه في سياق التأكد من تحقق الأهداف العامة والكفايات، وأثناء التصديق والإشهاد. بل ويتجاوز فعل التعلم والتعليم إلى تقويم البرامج والمنهاج والنظام التربوي ككل.

إذا كان التقويم بهاته الأهمية، فإنه في بعض السلوكات التربوية يتم تقليص دوره واختزاله إلى مجرد التصديق والإشهاد؛ التصديق على الانتقال من مستوى إلى آخر، أو من سلك إلى آخر، والإشهاد بمنح المختبر أو الممتحن شهادة أو ديبلوما. وفي ظل واقع يؤمن بالشهادة والنجاح، ويعتقد في النقط والمعاملات، يتم تدريجيا تفريغ بقية أشكال التقويم من معناها وإفقادها جدواها. وهو ما يؤثر على التعلم والتعليم بشكل أساسي، إذ تتحول بمقتضى ذلك إلى أنشطة تلاحق النجاح المرحلي والحصول على شهادة أو دبلوم، وتتجاهل الغاية من الأنظمة التربوية، وهي إكساب المتعلمين جملة من القيم والكفايات التي تؤهلهم للحياة الواقعية.

"ليس من وظائف المدرسة -كما يقول فيليب بيرنو (Philippe Perrenoud)- الإعداد للامتحان إطلاقا" (تقويم الكفايات، تر: محمد صادقي، مجلة علوم التربية، ع: 29، ص: 154) . بل كل همها ومدار أهدافها وغاياتها تكوين الناشئة على تعلم التعلم الذاتي، وجعلهم يعتمدون على أنفسهم في تدبيرهم لتعلم، وتمكينهم من آليات الاستمرارية في التعلم سواء اختاروا الحياة المهنية أو المسارات التكوينية العليا، جاء في الفقرة 9 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين "تسعى المدرسة المغربية الجديدة إلى أن تكون مفعمة بالحياة، بفضل نهج تربوي نشط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي". إن وظيفة المدرسة تكمن في تأهيل المتعلمين للحياة وتمكينهم من آليات استيعاب الواقع المتحرك والمتطور ومواجهة المستقبل وما يخفيه معرفيا ومهاريا وتقنيا ومهنيا. فلا معنى لأن نركز في مدارسنا على الإعداد للامتحان ونحول مدرستنا إلى مدرسة تدور حول فلك الاختبارات والامتحانات ويُتَجاهل القصد الأسمى والأساسي. ومن غير المعقول أن يتم التركيز في تعليمنا وتعلمنا وتقويماتنا على مراكمة المعارف وإعادة إنتاجها في عصر يعج بالمعرفة؛ تكفي ضغطة زر واحدة لتنهال عليك المعارف بكل لغات العالم. بينما نتجاهل تعليم وتعلم طريقة إدارة هذه المعارف والاستفادة منها في بناء كفايات حقيقية تهيئ المتعلم لحل المشكلات الواقعية والشبه الواقعية وتعويده النظرة الشمولية والتفكير المعقد.

إن نظرة سريعة إلى تعليمنا تبين بوضوح ارتكازه وتمحور جميع عملياته على الاختبارات الإشهادية، وتكريس واقع أن أرقام ونسب النجاح أهم من الكفايات المتحققة. وما الضجة التي تلازم الاستحقاقات الإشهادية في كل سنة دراسية إلا تعبير عن هذا الوضع المكرس، والذي صار في بعض الأحيان مناسبة لاستقواء بعض الجهات ومكابرة البعض وتسويق الجودة الوهمية، سعيا إلى التغطية على المشاكل الحقيقية التي تنخر جسم وبنية هذا النظام، ولك أن تتخيل مآل نظام تربوي يحتفل بالدرجة الممنوحة والنقطة أكثر من احتفاله بما تحقق من اكتساب للكفايات وآليات التعلم الذاتي؛ الآليات الأساسية لمواجهات تحديات القرن الحادي والعشرين؛ المهنية والمعرفية والتكنولوجية.

هذا الارتكاز على الاختبار أدى إلى بعض الممارسات الغريبة والعجيبة؛ ولعل أبرزها استغلال البعض ثغرة تمحور الاختبارات الوطنية والجهوية على الجانب المعرفي بدل الكفايات والوضعيات المركبة وبشكل نمطي ثابت لتسويق الوهم والأستاذية؛ ظاهرة "الأساتذة النجوم" ومحترفو الدروس الخصوصية المسائية. فصاروا يمهرون التلاميذ على الخطوات التقنية اللازمة للجواب على تلك الأسئلة المعرفية التي نمطتها الامتحانات الإشهادية، ولم لا تحفيظهم بعض المسكوكات، وتزويدهم ببعض الإطارات الجاهزة والمرنة الصالحة لكل سؤال، ويكفي الممتحنين أن يعدلوا تلك الأطر تعديلا بسيطا ويضعوها في مكانها "اللائق بها" في ورقة التحرير حتى ينالوا المرغوب ويحققوا الهدف. ثم نجد كذلك ظاهرة العزوف والانصراف النسبي أو الكلي لدى المتعلمين في المؤسسات العمومية عن المواد الخارجة عن نطاق الامتحانات الإشهادية وكأنها لا تشكل جزءا من برنامج المستوى ولا تمثل جزءا من منهاج كامل متكامل له أهداف وغايات. وتزداد هذه الظاهرة حدة في بعض المدارس الخصوصية التي تلغي تلك المواد لصالح المواد المعنية في الامتحانات الإشهادية واستغلال حصتها الزمنية للتمرن على نماذج امتحانات إشهادية. بل إن تأثير هذه المركزية يلقي بظلاله على طريقة التدريس نفسها، حيث يتحكم التقويم الإشهادي في ديداكتيك وبرنامج المادة ذاتها، فيلغى كل ما لا يخدم "الامتحان" وتخضع أنشطة التعلم ذاتها لمطالب "الامتحان"، من منطلق أنْ لا ضرورة لإثقال كاهل المتعلم بما لن "يمتحن فيه". فيصير "الإطار المرجعي للامتحان" هو الوثيقة المرجعية المؤطرة لأهداف التعلم وغاياته وطرق التدريس والتقويم، وليس الامتحان فقط، مع تجاوز كلي للمنهاج وغايات النظام التربوي وأهدافه، وضرب عرض الحائط بالكفايات وبمبدأ التعلم الذاتي.

إذا كان مطلب تكوين المتعلم على التعلم الذاتي في كل الأنظمة التربوية العالمية أمرا أساسيا، فإنه في السياق الحالي صارا ملحاحا ومستعجلا. فقد كشف سياق جائحة كوفيد- 19 التي التجئ فيها، على عجل، إلى التعلم عن بعد بصيغه البسيطة والبدائية أحيانا عن ضرورة التعلم الذاتي ومحوريته في هكذا نمط من التعليم والتعلم. وقد كانت نتائج التعلم في هذه الفترة بسيطة ومتواضعة جدا، لذلك تم الاقتصار في الاختبارات الإشهادية، خاصة في السلك التأهيلي والامتحانات الجامعية، على ما تم إنجازه حضوريا. وفي ذلك اعتراف واضح بفشل هذا الشكل من التعليم. ورغم أنه كان من الممكن أن يحل محل التعليم الحضوري فيما لو تم التخطيط له بشكل دقيق على المدى البعيد، مع توفير الوسائل والآليات البيداغوجية والتقنية، إلا أن سياق المفاجأة الذي فرضه، وبالصيغ المختلفة التي اعتمدها حال دون مقاربته للنجاح والقبول.

ولعل أهم عنصر ساهم في فشل التعلم عن بعد، بالإضافة إلى غياب الوسائل التقنية والآليات البيداغوجية وعنصر المفاجأة، هو افتقار المتعلمين إلى آليات التعلم الذاتي المعتمد على الجهد الشخصي، الذي كان من المفروض أن يتملكوها، وخاصة في المستويات المتقدمة، بعد أن عايشوا وضعيات تعلم متنوعة طالت مستويات وأسلاكا دراسية وبرامج ومواد دراسية مختلفة. وفيما يخص الشكل الجديد للتعليم القائم على التناوب بين التعليم الحضوري والتعلم الذاتي، يعود هذا الأخير مرة أخرى إلى الواجهة وبشكل رسمي. وهو ما يفرض شكلا جديدا من التعليم يقوم على تقاسم مسؤولية التعلم والتعليم بين المدرس والتلميذ، وهي وإن كانت شكلا قديما من تدبير التعلم/ التعلم ارتبطت في شكلها المتقدم باعتماد المقاربة بالكفايات، إلا أنها لم تبلغ هذا المبلغ من التقاسم والالتزام المفترض.

يفترض هذا النموذج التزاما من المتعلم، وإن لم يتم التصريح بذلك رسميا، بإنجاز جزء من البرنامج الدراسي في إطار التعلم الذاتي وتحت توجيهات المدرس وتقويمه. وهنا نتساءل: عن أي تعلم ذاتي نتحدث؟ وهل برامجنا ومناهجنا اشتغلت فعلا على هذا الجانب قبل أن يفرض بهذا الشكل؟ وهل فعلا يتم التركيز على إكساب آليات التعلم الذاتي في ظل برامج دراسية ضخمة، وتوجيهات رسمية لا تترك مجالا للإبداعية والحرية، تضطر المدرسين إلى اللهث وراء إتمامها تحت طائلة المساءلة والمحاسبة الإدارية؟

لا مجال للشك في أن التكوين على التعلم الذاتي رهين بإعادة النظر في التقويم في المنظومة التربوية أولا، وإعادة تحديد أدواره فيما يخدم التعلم الذاتي أساسا، لا النجاح مطلقا. فمن غير المقبول من نظام تعليم يفترض منه إعداد الإنسان للحياة الحقيقية المعقدة اختزال التقويم في مجرد اختبارات تركز على الجانب المعرفي أكثر من تركيزها على وضعيات- مشكلات تدفع المتعلم إلى حشد مهاراته ومواقفه واستراتيجياته المعرفية والذهنية لحلحلتها. فلا أهمية للمعارف التي لا أهمية لها إلا في سياق الاختبار، إن قيمتها رهينة بجدوى اللجوء إليها لحللة مشكلات أو اتخاذ قرارات أو قابليتها لأن تؤسس عليها تعلمات جديدة.

وثانيا إعادة النظر في مفردات البرامج الدراسية وتقليصها ما أمكن لتوفير حرية أكبر للتكوين على التعلم الذاتي، والتركيز على استراتيجيات التعلم المعرفية بدل حشو العقول بالمعارف والتسابق إلى إنهاء البرنامج وتغليب معيار الكم على معيار الكيف. ولما لا تعليم المتعلمين، بتخصيص حصص معينة، كيفية حصول التعلم، وإيقافهم على استراتيجيات الفهم والإنتاج والإبداع، بالاستفادة من نتائج علم النفس المعرفي، وما تحقق في الذكاء الصناعي؛ هذا المجال الذي انغمسوا فيه واستغرق جل أوقاتهم.

وثالثا، إدارة الوضعيات التدريسية على الطرق التي توفر للمتعلم الاستقلال الذاتي في التعلم، كالتعلم القائم على المشروع أو المشكلات أو التصميم، نظرا لما تتميز به هاته الطرائق من توريط للمتعلم في فعل التعلم وتحميله مسؤولية التعلم، فضلا عما تحققه من تفاعل وتواصل ومرونة وتكيف في سياق التعلم وسيرورته. وتجنُّبِ ما أمكن الطرائق التي يستحوذ فيها المدرس على الفعل التعليمي، لأنها تخلق في صفوف المتعلمين الاتكالية والانتهازية والتهرب من التعلم كلما واجهتهم صعوبات تعلمية.

خلاصة

يقتضي التعلم الذاتي تجاوز منطق مدرسة الاختبارات والامتحانات، وإعادة النظر في وظيفة التقويم ككل والامتحانات الإشهادية بصفة خاصة لتخدم التعلم، لا أن تقود جميع العمليات التربوية جريا وراء نجاح وهمي يقيس مخرجات المدرسة بنسب النجاح، لا بتحقق الكفايات ومواصفات التخرج والانتقال عبر أسلاك ومستويات التعليم، والقطع مع الاختبارات المعرفية التي نمطت أشكال التقويمات الإشهادية إلى أن صارت نسخا تكرر نفسها كل سنة استجابة لداعي الموضوعية والمصداقية والدقة وتكافؤ الفرص. وفي نفس الوقت التركيز على أشكال التربية التي تنمي تحمل المسؤولية في التعلم، سواء في الطرائق أو في مفردات البرامج.



٭ أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

الاسمبريد إلكترونيرسالة